التغيير الديموغرافي.. مخطّط إيراني لاختطاف الشرق الأوسط!

منذ استيلاء ثورة الخميني على الحُكم، عمدت إيران إلى اتباع أساليب جديدة في إطار خطة "تصدير الثورة"، عن طريق استغلال المذهب الشيعي ونشره في المنطقة العربية، من بينها أن تصدير الثورة لا يعتمد على فكرة الاستقطاب الفردي أو الشيعي العقائدي فقط، بل شملت الخطةُ الجديدة عملياتِ التجنيد الفردي ثم التوسّع في إنشاء جماعة موالية، ثم جماعاتٍ تتطور بمرور الزمن لتبلور وجودَها إما في شكل حزب سياسي، كما في لبنان واليمن، أو جمعياتٍ حقوقية، كما في البحرين، حتى وصل الأمر إلى تبلور الوجود الشيعي في المجتمعات العربية لميليشيات مسلحة، كما في العراق وسوريا.

والحقيقة التي تتكشّف كلّ يوم، أن الهدف الإيراني هو خلق جماعاتٍ وظيفية تقوم بدور وظيفي للنظام الإيراني في اختراق المجتمعات العربية، وإحداث اضطرابات سياسية واجتماعية ودينية وحقوقية، تسمح لإيران بممارسة الضغوط على الدول العربية، أو اختراقها بوسائل متعددة.

تغيرات ديموغرافية

وعن هذا الشأن، توقّع خبراء استراتيجيون أن تشهد المنطقة تغيرات ديموغرافية تحاول إيران أن تكون أحد صنّاعها في ظل التطورات الحاصلة في سوريا والعراق، ما يعزز احتمالية تأثر لبنان بها.

ورأى الخبراء "أن إيران تحاول فرض معادلتها في المنطقة، عبر نفوذها الداخلي في العراق وسوريا ولبنان، بحسب تصريحاتهم".

العراق

ويقول متابعون لهذا الملف، إنّ استمرار نزوح الأقليات في العراق من مناطقها الأصلية، بدعوى الخوف من الحرب على الإرهاب، تُنذر بمخاطر جَمّة، أهمّها مستقبل الدولة الوطنية والوجود العربي بشكل عام، فضلاً عن الهوية العربية، كما أنّ النموذج العراقي يوضّح الخطط الإيرانية في عملية التغيير الديمغرافي بشكل فاقع، إذ انتهجت إيران بعد الغزو الأميركي سياساتٍ "مافيوية" أدّت إلى غياب الدولة القومية العربية العراقية، وظهور عددٍ من الكيانات التي لا تُعتبر "مؤسسات دولة"، ولكنها تمثّل أقاليم منفصلة في الشمال والجنوب والوسط، وحتى داخل الأقاليم ذاتها، وحدث هذا في غياب الدولة العراقية الحاكمة، التي سيطرت إيران على صناعة القرار السياسي فيها، بدءاً من مجلس الوزراء وانتهاءً بالبرلمان والكتل السياسية، مستغلةً خضوع العراقيين، لاستحداث آلية جديدة أكثر راديكالية وعنفا، عُرفت باسم "الحشد الشعبي"، لإعادة ترسيم الحدود بين مختلف الأقاليم، ديموغرافيًا، بحسب المخطط الإيراني.

عمليات عسكرية

ولتحقيق هذا الهدف، أدارت إيران عمليات عسكرية بدعوى حرب الإرهاب، إلا أنها تحمل بين طيّاتها مخططَ التهجير لاحتلال الأرض وتغيير الديموغرافية، فكان تنظيم داعش مبرّرًا لعمليات التهجير وتدمير المنازل والبنى التحتية في المناطق المحرّرة، واستخدام أساليب كثيرة لضمان عدم عودة النازحين، لذا يمثل هذا الوجود الميليشياوي كيانًا يعمل على تفكيك وتفتيت وإعادة رسم وتكوين الأقاليم في العراق، ما يوحي بأن الدول العربية أمام قوى هجومية تفكيكية، استطاعت أن تخلق العديد من الجماعات الوظيفية لأهداف متعددة، تستهدف مستقبل الدول العربية المستقلة.

ومن أساليب التهجير القسري التي اتبعتها إيران في العراق، قيام الطائرات من حين لآخر بإلقاء منشورات في بعض مناطق شمال العراق، تتضمّن تحذيرات من بقاء السكان في مدنهم وقراهم، بذريعة تنظيم داعش.

لبنان

خطط إيران تجاه لبنان معروفة وقديمة، وتلخّص بتكليف "حزب الله" السيطرة الحازمة والحاسمة على الجمهورية اللبنانية بكامل مفاصلها. وكما في العراق، معسكر المحور يحتاط لتحديين أساسيين يهددان "حزب الله".

الأول هو تجدّد ثورة الأرز التي انفجرت عام 2005، أو إعادة انفجار ثورة أكتوبر/تشرين الأول 2019. أما التحدي الثاني، فهو إعادة تدخّل أميركا في لبنان لإضعاف الحزب، إما عبر قرار أممي جديد تحت الفصل السابع، وإما عبر قوات متعددة الجنسيات على نمط أفغانستان.

ولتلافي هكذا أخطار، تعتمد قيادة "حزب الله" على قدرة طهران عبر الاتفاق النووي واللوبي في واشنطن على منع أي دعم أميركي جدي للمعارضة اللبنانية ضد الحزب، أو أي عمل أميركي مباشر ضد الميليشيات.

والجدير بالذكر، أن هكذا معادلة كانت قائمة في لبنان منذ انطلاقة إدارة باراك أوباما عام 2009، واستمرّت خلال حقبة إدارة دونالد ترامب التي لم تتمكّن من تغيير سياسة سلفه تجاه لبنان، وهي الآن تستمر مع إدارة بايدن.

سوريا

والمشروع الإيراني في سوريا للسنوات الأربع الآتية سيكون الأكثر قابلية للتغير بسبب المعادلات على أرض الواقع وتقاطع السياسات الإقليمية، فالهدف الأساسي الإيراني في تلك البلاد المقسّمة والمدمّرة هو في أقنومين.

الأول، هو الحفاظ على النظام القائم بقيادة آل الأسد بكل الوسائل الممكنة لحماية التمدد الإيراني إلى البحر المتوسط. والثاني، هو إجراء تعديلات ديموغرافية تسمح بإقامة مناطق متماسكة طائفيًا تربط العراق بسوريا ولبنان.

مخطط خبيث

وكان مقال في صحيفة ديلي تلغراف تناول في وقت سابق الاختبارات الصاروخية البالستية التي أجرتها إيران وأدانها البيت الأبيض، معتبرًا ذلك سلوكًا عدائيًا فأصدر بموجبه تحذيره لطهران بوضعها "تحت الملاحظة".

وقال الكاتب كون كوغلين في مقاله إنّ كل الدلائل تشير إلى أن طهران عازمة على إثارة المواجهة بينما تواصل تصعيد سياستها لتقويض المصالح الغربية في جميع أنحاء العالم العربي.

واعتبر كوغلين أن هذه الاختبارات الصاروخية خرق لروح الاتفاق النووي الذي أبرمته إيران مع الرئيس السابق باراك أوباما في عام 2015، وأنها ليست سوى غيض من فيض بالنسبة إلى التهديد الأكبر الذي تشكله للاستقرار الإقليمي.

ويرى الكاتب أن الوقت قد حان كي تستفيق واشنطن لواقع النفوذ الإيراني الخبيث في الشرق الأوسط والتصرف وفقا لذلك، وأنها إذا تركت وشأنها ليكون لها موطئ قدم دائم في عواصم عربية مثل بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء، فإن التوازن الجيوسياسي في الشرق الأوسط سيتغيّر إلى الأبد لصالح طهران.
الكلمات الدالة