العراق ينزف اجتماعيا.. هكذا استفحل العنف الأسري في بلاد الرافدين!

بصورة مقلقة ومتنامية، تتزايد حالات العنف الأسري في العراق وسط دعوات لوضع حد لتلك الممارسات التي تتنافى مع القيم الدينية والإنسانية، وفي ظل عدم وجود قانون يحد منها ويحمي ضحايا هذا العنف، تعلو الأصوات التي تدعو إلى ضرورة التعجيل في إقرار قانون لحماية المرأة والطفل.
 
ويرى مراقبون لـ "جسور" في استمرار الأزمات وضعف المنظومة القانونية أمام الأعراف والعادات العشائرية سببا في ازدياد هذه الظاهرة، وهذا ما مهّد الطريق لعدم الإفصاح عن حالات كثيرة للعنف ضد النساء، بسبب وصمة العار الإجتماعية، والخوف من الرد على العنف.

أرقام مخيفة

وكشف مجلس القضاء الأعلى في العراق، عن إحصائية حديثة بمعدلات العنف الأسري تجاه الأطفال والنساء وكبار السن خلال عام ونصف العام، وهي أرقام تشير إلى تصاعد كبير في عدد تلك الحالات.
وذكرت دائرة العلاقات العامة في مجلس القضاء الأعلى، أن "المحاكم سجّلت خلال عام 2021 وهو العام الذي تفشّت فيه جائحة كورونا بشكل كبير 1141 دعوى عنف أسري ضد الأطفال، وكان لمحكمة استئناف بغداد الكرخ النصيب الأكبر بـ267 دعوى، بينما كان عدد الدعاوى الخاصة بالنساء 18602 دعوى، في حين بلغت دعاوى تعنيف كبار السن 2622، سجّلت محكمة استئناف بابل 426 دعوى منها".
وتشير الإحصائية للنصف الأول من العام الحالي إلى أن "عدد دعاوى العنف الأسري بلغ 10143 دعوى توزّعت ما بين 500 دعوى عنف ضد الأطفال و7947 دعوى تعنيف نساء و1696 دعوى خاصة بتعنيف كبار السن".
وحول أسباب ارتفاع حالات العنف الاسري في العراق يشير متخصصون قانونيون واجتماعيون الى انها تعود إلى عوامل عديدة منها العقلية الذكورية والعشائرية والمشكلات الاقتصادية كالبطالة وانتشار تعاطي الكحول والمخدرات والإتجار بالبشر والتسوّل.

تزايد مستمر

وتعليقاً على هذه الأرقام، رأت الباحثة الاجتماعية، سمر نور الفيلي، أنّ "حالات العنف الأسري المسجلة تتزايد بشكل مخيف وما يتعرض له النساء والأطفال تحديدا، سواء داخل محيط أسرهم وعوائلهم أو في الفضاء المجتمعي العام".
وأوضحت الفيلي، في اتصال مع "جسور" أنّ "ثمة الكثير من الحالات تبقى طي الكتمان، الأمر الذي يدفع باتجاه المطالبة بتشريع قوانين وعقوبات تعالج هكذا حالات، ومنذ 8 سنوات يسعى المجتمع المدني في العراق بشتى السبل لإقرار قانون مناهضة العنف الأسري، الذي لا زال موضوعا على رفوف البرلمان رغم التصويت الحكومي على مسودته منذ عامين، وإن كان قد أقر في إقليم كردستان العراق مع توفير ملاذات آمنة للمعنفات هناك، لكن في بقية المناطق العراقية فالوضع مزر للغاية".
وتابعت: "طالبنا كناشطين في المجتمع المدني بإنشاء مراكز تأهيلية في بغداد وبعض المحافظات الجنوبية والغربية لاحتضان النساء المعنّفات والأطفال، لكن للأسف أنشئ فقط مركز واحد في إقليم كردستان قبل سنوات، لكنّ قلة من النساء المعنّفات تلجأ إليه خوفا على سمعة العائلة والعادات والتقاليد التي تحكم مجتمعاتنا".
وبيّنت الفيلي لـ "جسور"، أنّ "الأزمة السياسية الحالية هي أكبر العوائق التي تواجهنا، كما ونسعى لفتح محاكم مختصة بالبت بقضايا العنف الأسري، وتوفير مراكز إيواء للناجين من جرائم العنف الأسري، وتأهيل الجهات التنفيذية المعنية بمكافحة هذه الظاهرة عبر زيادة صلاحيات كل من الشرطة المجتمعية ومديرية حماية الأسرة وتفعيل قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959، والذي ينصّ على معاقبة كل من يجري عقد زواج خارج المحاكم، كون زواج القاصرين يندرج تحت بند العنف".
ولفتت الفيلي إلى أنّ "ضعف برامج التعليم، والتسرّب من المدارس، وسيطرة الفئة غير المتعلمة على المشهد الإجتماعي، والسكن في العشوائيات، والمناطق خارج التصميم، بما تحمله من تجاوزات، وأمراض، وغياب للخدمات الأساسية مثل الماء، والكهرباء، فضلا عن قساوة الظروف المعيشية، وحتى المناخية، كلها تُسهم في توليد ثقافة العنف ضد الأسرة والطفل".

قانون ينتظر التشريع

ورغم تصويت مجلس الوزراء في 4 أغسطس / آب 2020 على مسودّة مشروع قانون الحماية من العنف الأسري، إلا أن القانون ما يزال ينتظر التصويت عليه في مجلس النواب، فيما لا توجد في البلاد سوى 5 "ملاذات آمنة" للنساء المعنفات.
ولا يملك العراق قانوناً للعنف الأسري، إذ تعارض القوى السياسية الدينية في البرلمان تمريره منذ سنوات تحت مزاعم أنه تقليد لقوانين غربية. وفي هذا السياق، تحدث الخبير القانوني، علي التميمي، في تصريح لـ "جسور"، عن وجود مادة قانونية تتيح للزوج والآباء والمعلمين حق التأديب وفق شروط معينة.
وقال التميمي: "أنه بعد تعذيب الأطفال والنساء، هل نحن بحاجة إلى قانون الحماية من العنف الاسري؟"، مستدركاً ان "وجود المادة 41 من قانون العقوبات التي تتيح للزوج والآباء والمعلمين حق التأديب في حدود الشرع والقانون وهو نص فضفاض يساء استخدامه ويجعل المحكمة أي (محكمة التحقيق) مقيّدة في مساءلة من تم ذكره في هذا النص في حال ممارستهم للعنف الأسري وتم الطعن في هذه المادة أمام المحكمة الإتحادية لمخالفتها المواد 14 و29 و30 من الدستور لكنها ردت هذا الطعن".
وأضاف أن "الأمم المتحدة أعربت عن قلقها من تنامي ظاهرة العنف الأسري في العراق ضد الأطفال منذ ظهور وباء كورونا".
الكلمات الدالة