حرب قضائية في تونس... هل ينتصر الرئيس سعيّد على الفاسدين؟

تحديات سياسية واقتصادية وصحية ضخمة تواجهها الحكومة التونسية الجديدة، برئاسة نجلاء بودن، والتصدي لها يحتاج إلى جهود هائلة.

منذ تحوّلات الخامس والعشرين من يوليو/تموز الماضي، حين اتخذ رئيس الجمهورية قيس سعيّد إجراءاته الاستثنائية، تعيش تونس، معركة طاحنة من أجل استعادة سيادة الدّولة تجاه الدّاخل وتجاه الخارج. وذلك تمهيداً لخروج البلاد من الأوضاع الكارثية التي ورثتها عن الحكومات المتعاقبة، لحركة النهضة وحلفائها، بما اتسمت به من فساد وانعدام للكفاءة، وهي معركة تحدّد مصير الدولة.


تونس ومعركة السيادة

معركة استعادة السّيادة الدّاخليّة، بدأها سعيّد منذ لحظة 25 يوليو/ تموز، حينما قرر تجميد البرلمان وإقالة الحكومة وإعلان حربه لمحاسبة الفاسدين. وبالرغم من الانتقادات التي اتهمت سعيد بانفراده بإدارة البلاد،  يبدو أن هذا المسار سينطلق بقوة بعد تشكيل الحكومة، فتونس التي تغرق في المديونية الخارجية، تعيش حالة فساد مستشرٍ، نخر اقتصادها وجعل الفاسدين ينهبون من مقدّرات الشعب التونسي أضعاف ديونها الخارجية.

وقبل يومين، كشفت النيابة العمومية في محافظة سيدي بوزيد (الوسط الغربي) عن ملفات فساد كبرى، طاولت ثلاث مندوبيات جهوية في المحافظة، وتورط فيها موظفون ومسؤولون كبار في الدولة من بينهم وزيرة سابقة.

وأعلنت النيابة الاحتفاظ بـ19 متهما في قضايا فساد، بالمندوبية الجهوية للشباب والرياضة بسيدي بوزيد، تتعلق بالتلاعب في صفقات عمومية والاستيلاء على أموال عمومية وإنجاز مشاريع وهمية، من بينهم وزيرة الشباب والرياضة السابقة التي تم استنطاقها كمتهمة.

تدليس شهادات

أما ملف الفساد الثالث، فيتعلق بالمندوبية الجهوية للتربية بسيدي بوزيد، حيث تم الاحتفاظ بسبعة من موظفي وإطارات المندوبية، من بينهم المندوب الجهوي الحالي والسابق والكاتب العام للمندوبية، الذين تم اتهامهم بتدليس شهادات لأكثر من 100 معلم وأستاذ نائب في الجهة.

وفي الإطار، كشف رئيس الجامعة الوطنية للبلديات، عدنان بوعصيدة، عن ملف فساد بملفّ عمال الحضائر.

 وقال إنّ عددا كبيرا من عمال الحضائر، أحيلوا على بلديات معينة سنة 2013 وهم يتقاضُون أجورا ولكنهم لا يُباشرون عملهم. وأكّد أن هؤلاء العمال متواجدين خاصة في بلديات الجنوب والجنوب الغربي.

تحقيق مع برلماني سابق

كما فتحت النيابة العمومية بالمحكمة الابتدائية سوسة 1، تحقيقاً ضد رجل الأعمال التونسى، الوزير الأسبق، النائب المجمدة عضويته، مهدي بن غربية، وضد 12 شخصا آخرين، من بينهم المديران المالي والإداري لشركة يملكها بن غريبة. وتستخدم الشركة التدليس ومسك واستعمال مدلس الواقع من غير موظف عمومي أو شبهه وإقامة شهادة أو صك نص فيه على أمور غير حقيقية بصفة مادية.

جاء ذلك وفقا لتصريحات المساعد الأول لوكيل الجمهورية والناطق الرسمي باسم المحكمة معز اليوسفي، لراديو "موزاييك" التونسى.

ويوجه إلى مهدي بن غربية تهمة غسيل الأموال الواقعة ممن استغل التسهيلات التي خولتها له خصائص وظيفته ونشاطه المهني أو الاجتماعي .

كما وجهت المحكمة لباقي المشتبه فيهم، جرم غسيل الأموال بوصفهم مسيري ذوات معنوية أو ممثليها أو أعوانها أو مراقبي حسابات لديها.

وقال الناطق الرسمي باسم المحكمة، إنه وجهت لجميع المشتبه فيهم، تهمة القيام بعملية تجارية باعتماد وسائل ملتوية غير مشروعة. ويقوم قاضي التحقيق المتعهد بالقضية باستنطاقهم على خلفية ملف فساد إداري ومالي، بشركتين يملكهما بن غربية الأولى مختصة في الشحن والثانية في الاستشارات.

إقتصاد منهار

تواجه تونس أوضاعاً اقتصادية ومالية كارثية، زاد من تعقيدها تفشي وباء كورونا، وما ارتبط به من حظر تجوال وتراجع حاد لحركة السياحة، أحد أهم قطاعات الاقتصاد التونسي ومصادر دخله من العملات الصعبة.

وتشير التقارير الحكومية التونسية وتقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلى أن العام 2020 قد شهد تراجعاً للناتج المحلي الإجمالي بلغ 9%، وأن من المتوقع أن يتراجع الناتج المحلي هذا العام بما يتراوح بين 6%-7%.

كما تراجع دخل السياحة بنسبة 80%، في حين بلغ عجز الموازنة العام الماضي 14% من الناتج المحلي الإجمالي، ويبلغ هذا العام أكثر من 11% وبلغت نسبة البطالة حوالي 18%.

وبلغت الديون أكثر من 30 مليار يورو، وتحتاج البلاد إلى حوالي 7 مليارات دولار لسداد أقساط وفوائد الديون وتغطية عجز الموازنة هذا العام.

خطوة أولى

وقال رئيس لجنة مكافحة الفساد في البرلمان المجمدة اختصاصاته، بدر الدين القمودي، في تصريحات صحافية إن الملفات التي تم الكشف عنها في سيدي بوزيد هي خطوة أولى في طريق الحرب على الفساد.

واعتبر القمودي أن هذه المنجزات، هي نتيجة مباشرة لتوفّر الإرادة السياسية لأول مرة في تونس، خلافا للشعارات التي رفعها سابقا السياسيون زورا وبهتانا، مضيفا "نستطيع الآن أن نقول إننا بدأنا في محاربة الفساد بالصورة المطلوبة".

وتابع أن "تضافر الجهود والتقاء الإرادة السياسية مع الإرادة القضائية والمواطنية إضافة إلى دور أجهزة الدولة الاستخباراتية يمكن أن يثمر عن محاربة فعلية للفساد، كما حدث في سيدي بوزيد".

وأكد القمودي أن سيدي بوزيد لن تكون الاستثناء، وأن الحرب على الفساد ستمتد لتشمل فتح ملفات أخرى على مستوى الإدارات الجهوية وحتى المركزية.

وشدّد المتحدث على ضرورة أن تمتد الحرب على الفساد لتشمل القضايا الكبرى، وعلى رأسها ملف الصفقات العمومية وديون البنوك العمومية والقروض التي تم اسداؤها لرجال الأعمال دون ضمانات ولم تسترجع. إضافة إلى ملف الأملاك المصادرة الذي وقع التلاعب به، وملف المنشآت العمومية التي تحتاج إلى عملية تدقيق شاملة، على غرار شركة فسفاط قفصة وشركة السكك الحديدية والخطوط الجوية التونسية.
الكلمات الدالة