مقاومة "حزب الله" للعدالة في لبنان... "هذه المرة لم تسلم الجرّة"

في ظل سعي اللبنانين السياديين لقيام دولة فعلية في لبنان، يخوض حزب الله "المقاوم" أشرس معاركه ضد العدالة. فبعد استنزافه لمقدرات لبنان الاقتصادية، والسيادية ها هو اليوم يستزف لبنان واللبنانيين أمنياً.

ارتدادات انفجار مرفأ بيروت لا تزال ترافق لبنان يومياً. ليست المرة الاولى التي يلجأ فيها، حزب الله إلى تصرفات ميليشياوية، ويستخدم الشارع لتحقيق مآربه. من حوادث 7 ايار/مايو 2008 الاسود، الى الاعتداء على المتظاهرين خلال ثورة 17 تشرين لم يترك انصار الحزب وسيلة الا وفعلوها لتسيير "أمرهم" على اللبنانيين

 وفي وقفة احتجاجية لمناصري حركة امل وحزب الله استنكاراً لطريقة سير التحقيق في قضية تفجير مرفأ بيروت، تحول المشهد لحوادث مسلحة وعبثية في بيروت. رفض هدف المظاهرة الأساسي حقّق إجماعاً، إذ إن فئة كبيرة من اللبنانيين تريد معرفة الحقيقة في قضية انفجار المرفأ وتريد أن يستمر التحقيق الذي يتولاه القاضي طارق البيطار.

إلاّ أن المظاهرة تحوّلت إلى شغب، في بدايتها، لكنّ "الجرّة  لم تسلم هذه المرة" عند حزب الله، إذ سقط له قتلى في حوادث الطيونة، برصاص قنص اتهم فيها حزب القوات اللبنانية، وردّ عناصر حزب الله والحركة بدورهم بسلاح من النوع المتوسط، فيما أوقف الجيش اللبناني بحسب بيانه عدداً من المشتبه فيهم. 

وبالرغم من الدم والقتلى الـ7، والهلع الذي عاشه سكان بيروت وتلامذتها في ومناطق بدارو وعن الرمانة والطيونة ومحيطها، كان التبرير لحزب الله وحركة أمل "صعباً" لأنهما ارتهنا الشارع مراراً واعتدوا عليه، ولأن هدف المظاهرة الأول كان الوقوف بوجه الحقيقة والتحقيق في قضية هزّت لبنان.

ما هي خلفيات الاعتراض على البيطار؟

بعد تسريب رسالة تهديد من رئيس وحدة التنسيق والإرتباط في حزب الله الحاج وفيق صفا، في وقت سابق، للمحق العدلي في قضية انفجار مرفأ بيروت، القاضي طارق البيطار. وبعد الكلمة الأخيرة لأمين عام حزب الله، حسن نصرلله، الذي رفع من منسوب التهديد واتهام البيطار بـ "المسيس" وبـ"توظيف الدماء في خدمة الاستهداف السياسي". نُشرت دعوات، تحمل شعار كلّ من "حزب الله" و"حركة أمل" و"تيار المردة"، للتحرك ضد البيطار. الأحزاب الثلاثة متحالفة، لكن تمّ استدعاء وزراء سابقين تابعين للمردة وأمل، حصراً، وهو ما يُشكل نقطة استفهام حيال تخوّف حزب الله من وصول التحقيق إليه واستهدافه سياسياً من خلاله. خاصة وأن القاضي البيطار لم يوجّه اتهامات إلى أي مسؤولين تابعين للحزب حتى الآن. 

وبضغط من الثنائي الشيعي ألغيت جلسة مجلس الوزراء اللبناني، بعد الاخفاق في ايجاد حل يرضى به الثنائي حركة امل وحزب الله، الذي لن يقبل، بحسب المعلومات، بأقل من اقالة البيطار والطلب من مجلس القضاء الاعلى استبداله.

ويعتبر البعض ان التصرفات العدائية من قبل حزب الله، تجاه القاضي البيطار، تنم عن توجس لديه حيال مسار التحقيق، خاصة وان التهديدات علنية ومباشرة. في حين ربط نائب كتلة الوفاء للمقاومة (حزب الله) حسن فضل الله، ملف التحقيق بانفجار مرفأ بيروت بالتدخل  الأميركي والترهيب وانتهاك السيادة اللبنانية.


بين الدولة والدويلة هل يضيع التحقيق؟

منذ اللحظة الأولى لانفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس/آب 2020، واللبنانيون ينتظرون تحقيقا شفافاً للوصول إلى معرفة الأسباب الحقيقية للانفجار، الذي دمر نصف العاصمة، وأدى لمقتل أكثر من مئتي شخص. 

الا ان حوادث بيروت الاخيرة والاشتباكات المسلحة اثبتت مجددا ان الدمار الحقيقي في لبنان، لم يكن الانفجار نفسه، انما دويلات ضمن الدولة وهيمنة السلاح المتفلت على مفاصل الدولة وعلى القرار السيادي فيها لصالح اجندات خارجية. 

وتقول عائلات ضحايا انفجار مرفأ بيروت إنها التقت في مناسبات عدة بالقاضي البيطار، واستمع إليها ملياً، ووعدهم ببذل أقصى جهد في إطار القانون، للوصول إلى الحقيقة. واعتبر الأهالي ان التهديدات التي تستهدف القاضي تؤكد لهم أنه يقوم بعمل جيد، وأن بوصلة التحقيق في مسارها الصحيح وهناك من يحاول الفرار من مسؤولياته ويقوم بالمستحيل لاستبعاد المحقق.

وتشير مصادر مطلعة على موقف حزب الله، ينبع عن تخوف لديه من حملة كبيرة ضده قبل الانتخابات البرلمانية المقررة الربيع المقبل، وتعتبر هذه المصادر أن الحزب يربط تحقيقات انفجار المرفأ بسياقات إقليمية، ويخشى أن تستخدمه واشنطن كأداة لبنانية غير مباشرة لمواجهته بعد تراجعها خطوات بالمواجهة الإقليمية مع حليفته إيران.

سيناريو عام 2005 يتكرر

مبدأ "فائض القوة"، يكاد يصبح واقعاً مكروراً، اذ ان الخوف يتصاعد من استخدام سلاح حزب الله في الداخل اللبناني، وللهيمنة على المواقف المفصلية مثل التحقيق في انفجار المرفأ، أو تحقيق انتصارات سياسية وأحياناً تخدم حلفاءه، على حساب دماء الابرياء.

 فانهماك حزب الله باعاقة سير العدالة في قضية مرفأ بيروت أعاد اللبنانيين بالذاكرة إلى الحقبة التي تلت اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري عام 2005. ففي ذلك الحين طالبت القوى السياسية المعارضة لسوريا، وغالبية الشعب اللبناني، بتحقيق دولي في الجريمة بسبب عدم ثقتها بالتحقيق المحلي.

 حينذاك، عرقل حزب الله مسار التحقيق في القضية بكل ما أوتي من قوة ولم يتعاون مطلقاً مع لجنة تقصي الحقائق من قبل الأمم المتحدة. هذا وسحب الحزب وزراءه من حكومة فؤاد السنيورة عام 2006، مع وزراء حليفه رئيس مجلس النواب نبيه بري، بهدف إسقاط الحكومة. 

وهو ما أفقد الحكومة حينها، مشروعيتها، حيث تنص الفقرة "ي" من مقدمة الدستور اللبناني على أن لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك، حيث لم تعد تتمثل فيها جميع الطوائف والمذاهب. بعد ذلك منع حزب الله البرلمان من إقرار تلك المسودة كقانون في مجلس النواب اللبناني.

ويتحاشى القضاة في لبنان على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم، الاصطدام بحزب الله في أي قضية، مهما كانت، خوفا على حياتهم وحياة عوائلهم.

في عز الحرب الأهلية، لم يعرف لبنان هذا المستوى من الدرك من التعاطي مع القضاء على المستويات كافة، توازياً مع ترويج حزب الله داخلياً بأن خواطته جميعها، بما فيها التصدي لتحقيقات البيطار، تصبّ في خانة "حماية المقاومة" والتحرير والصمود وكسر الحصار المزعوم.

ومع جولة العنف الأخيرة في لبنان، التي تمثّلت بالدم في منطقة الطيونة، يسأل المتابعون عن انعكاس ما حصل على السياسة الداخلية والانتخابات المقبلة والتوازنات بين الأحزاب... وصولاً إلى اعتبار ما حصل نقطة استقطاب شعبيّة لرفض سلاح حزب الله وهيمنته.
الكلمات الدالة