نداء عاجل من سجن رومية اللبناني: السل والجرب يفتكان بنزلائه!

سجن رومية المركزي في لبنان (أرشيف)

فيما يشهد لبنان انحلال معظم مؤسساته، نتيجة استفحال الانهيار الاقتصادي والمعيشي في البلاد، تعود قضية نزلاء سجن رومية إلى الواجهة من جديد، وتتكشف قصص معاناتهم التي تثبت عدم توفير الأمن الغذائي والصحي اللازمين لهم.

"عندما يكون الظلم قانونا، يصبح التمرد واجبا"، هذا القول للفيلسوفة الألمانية روزا لوكسمبورغ، وجد سبيله بطريقة ما إلى سجناء لبنان، وتحديدا إلى سجن رومية الذي هدد سجناؤه بالانتحار أكثر من مرة ردا على ما وصفوه بإهمال السلطات اللبنانية لمعاناتهم، فالسجن يفتقر لأدنى مقومات الوقاية الصحية فضلاً عن معاناة قاطنيه من أمراض مزمنة.

السل والجرب

وفي التفاصيل المأسوية، فأنه وبحسب المعلومات المتداولة ضرب السلّ والأنفلونزا على أنواعها بالإضافة الى الجرب حوالي ٤٠٠٠ سجين، في وقت يعاني فيه سجن رومية من نقص حاد في الأدوية حتّى "البانادول" غير متوفر، والمسؤولون في السجن استسلموا أمام الواقع المرير، فمن حظيَ بمتابعة عائلية تأمن له بعض الدواء، هذا ان وُجد في لبنان، أما الآخرون فينتظرون الموت، وهذا خير دليل على ان الرعاية الصحية تراجعت من قبل الإدارة لحدودها الدنيا.

صرخة سجين

وبسبب ارتفاع أعداد الإصابات بفيروس كورونا، يتعذر الوصول إلى السجون، ومقابلة السجناء بشكل مباشر، لكن بمساعدة رئيس لجنة السجون في نقابة المحامين في طرابلس، محمد صبلوح تواصلت "جسور" مع أحد السجناء الذي أكد أن الوضع الصحي ساء جداً، ونتيجة التلوث الحاصل في المياه، بدأت في الفترة الماضية تظهر حالات جرب لدى العديد من السجناء فضلا عن أمراض جلدية معدية، مضيفا أن أوضاعهم الإنسانية تزداد سوءًا، نتيجة التقنين القاسي للكهرباء وانقطاع المياه وشح المواد الغذائية وانعدام النظافة.
كما يذكّر السجناء أيضًا بالغلاء الفاحش في أسعار المواد الغذائية داخل الحانوت، فإدارة السجن لا تقدم وجبات غذائية كافية لهم، كما تغيب عنها اللحوم، وتقتصر على تكرار بعض المواد، كالأرز والفاصوليا والبطاطا والبرغل.
وحذّر السجين عبر "جسور" من انفجار وشيك داخل السجن، وأن تخرج الأمور عن السيطرة، وعبّر عن تضامنه مع عناصر القوى الأمنية، الذين يعيشون معاناة شبيهة بحالة الفقر والحرمان، بعد أن تآكلت أكثر من 95% من قيمة رواتبهم.

أوضاع مزرية

وهنا يشير صبلوح، في اتصال مع "جسور" إلى أنّ السجون في لبنان وضعها سيئ جدا خصوصا في هذه المرحلة الصعبة، شارحا أنها مقسمة بين وزارة الداخلية ووزارة الدفاع وهذا خطأ قانوني برأيه، لأن القانون يولي إدارة السجون اللبنانية إلى وزارة العدل، لكن للأسف يقول صبلوح إن وزارة الداخلية تدير الجزء الأكبر من السجون ووزارة الدفاع تدير الجزء الآخر، وحتى الآن الوزارتان لم تفلحا بإدارة السجون كما يجب.
صبلوح وفي معرض حديثه، رأى أن الوضع داخل السجن تأثر بشكل كبير نتيجة الانهيار الاقتصادي على كافّة الأصعدة، لافتا إلى أنّ ظروف الحياة في السجون صعبة من الأساس، واليوم ازدادت صعوبتها بسبب الأزمة، فالسجناء والسجينات حرموا من لقاء الأهل، ومن الطعام الجيّد، ويعانون من انقطاع الماء والكهرباء مثلهم مثل الجميع، وبالتالي أصبحنا أمام مشكلة غذائية كبيرة ومجاعة محتمة عملت وزارة الداخلية بأكثر من طريقة لحلّها عبر تأمين مواد غذائية مدعومة أو عبر الإستعانة بجمعيات تؤمن قدر المستطاع مواد غذائية.

لا استشفاء

وعن الوضع الصحي يقول صبلوح، إن الإدارة الصحية للسجناء يجب أن تكون تحت رعاية وزارة الصحة وليس وزارة الداخلية كونها ليست من إختصاصها، مضيفا أن عدد الأطباء قليل جدا والموجود منهم لا يمتهن الطب أصلا ويفتقد للخبرة، كاشفا أنه منذ أسبوع تقريبا أصيب سجين بذبحة قلبية، وقتها قال له الطبيب "روح على غرفتك، هيدي نفخة بالمعدة وبعد ساعة توفي".
ويتابع رئيس لجنة السجون في نقابة المحامين في طرابلس قائلا: "سجن رومية يفتقد لعيادة طبية طارئة مزوّدة بالمعدات الطبية الأساسية كما لا يوجد اطباء يداومون كما يجب، ففي مبنى واحد توفي 4 اشخاص بذبحة قلبية جراء تأخر نقلهم إلى أقرب مستشفى بحجة وصول الأطباء إلى السجن والإجراءات الروتينية التي تنفّذ في مثل هكذا حالات. "
وهنا، يشير المحامي صبلوح، الى أن التطرق لقضايا السجناء، لا يهدف للتشهير بالمسؤولين عنها، لأن الأزمة إنسانية بالدرجة الأولى، وتتطلب عدم المكابرة أو تشويه الحقائق، بل الاعتراف بوقوع الأزمة، كي تكون دافعاً لحث المنظمات المدنية والدولية أن تمد يد العون للسجناء من أجل إغاثتهم .
وقال إن ما يحدث في رومية، يؤكد أن الدولة عاجزة عن تأمين أبسط حقوق السجناء، وأحيانًا نضطر لجمع التبرعات لهم لتغطية كلفة علاجهم الباهظة، ولا بد من البحث عن بدائل للتعويض عن هذا النقص الحاد بالغذاء والدواء، وتقهقر الخدمات الطبية.
ويلفت المحامي لـ "جسور" أن المحاكمات ما زالت تسير بوتيرة بطيئة، ما يفاقم معاناة السجناء الذين ينتظرون تحديد مصيرهم، مشيرا إلى أنّ وزارة الداخلية لم يعد باستطاعتها تحمل نفقات علاج السجناء المرضى.
وشدد صبلوح على أنّ تراكم هذه الأزمة سيوصل السجون إلى ما لا تُحمد عقباه، فالسجناء جاعوا في وقت لا تتأمّن فيه أدنى حقوقهم، والحكومة لا تبالي ولا تولي القضيّة أيّ اهتمام.

حلول مستعجلة

في المقابل، كشف مصدر مطلع لـ"جسور" أن هناك سعيا جديا يجري العمل عليه لتفعيل عمل القضاء من أجل حل أزمة السجون ، وقد تم التواصل مع مختصين من أجل تسريع المحاكمات، وتفعيل المحاكمات عن بعد، ويجري التواصل بين لجنة حقوق الإنسان والقضاء والقوى الأمنية للوصول إلى هدف تخفيض عدد السجناء. وأردف المصدر أنَّ هناك فكرة ثانية تقضي بإشغال مبانٍ حكومية ممكن حراستها أمنياً كسجون، وذلك بسبب غياب الحلول الطويلة الأمد على المدى المنظور، أي السجون النموذجية.
ويعدّ سجن رومية الأكبر في لبنان، ويعاني ظروفا مأسوية من حيث الإدارة والطبابة والتأهيل والبنى التحتية، منه تنطلق عادة الاحتجاجات والعصيان، ويستحوذ دائما على الأضواء الإعلامية والشعبية، لكن الواقع يقول إن حالته تبقى أفضل بكثير من سجون أخرى تقبع تحت الأرض وفي ظروف لا تلائم أدنى معايير حقوق الإنسان.
الكلمات الدالة