لبنان عشيّة الذكرى الثانية لـ17 تشرين: أين الثورة من التغيير المنتظر ؟

هل ما عاشه اللبنانيون قبل عامين، في السابع عشر من أكتوبر/ تشرين الأول 2019، مجرّد حلم لم يدم طويلا؟ سؤال يطرح نفسه، بعد مرور عامين على الحراك الشعبي الذي دخل التاريخ كبداية "ثورة شعبية" عمت كل الساحات في لبنان بالمطالبين بالتغيير، الرافضين لفساد النخبة الحاكمة، والحالمين بحكم غير طائفي.
وعلى بُعد ساعات من حلول الذكرى الثانية لثورة غيرت المشهد اللبناني، وحطمت حواجز الانقسام الطائفي، وجمعت اللبنانيين على مطلب واحد، لا مكان لليأس والثوار الذين وضعوا نصب أعينهم هدف تغيير المشهد السياسي السائد، يواصلون المحاولة وهم يضربون موعداً حاسماً في الانتخابات المقبلة سنة 2022.
 
شرارة واتساب
 
وكانت الشرارة الأولى للانتفاضة اشتعلت مع اعلان الحكومة اللبنانية عزمها فرض رسوم إضافية على الاتصالات المجانية عبر تطبيق المراسلة الإلكترونية "واتساب".
فجّر ذلك غضب اللبنانيين الذين بدأوا تلمس مؤشرات أزمة اقتصادية حادة، فنزلوا إلى الشوارع تعبيراً عن رفضهم القرار، مرددين شعار "الشعب يريد إسقاط النظام" ولاحقا "كلن يعني كلن". وتراجعت الحكومة برئاسة سعد الحريري آنذاك عن فرض الرسم المالي، لكن الاحتجاجات الشعبية استمرت.
وفي 18 أكتوبر/ تشرين الأول، أغلقت المدارس والجامعات والمصارف والمؤسسات العامة أبوابها.
وبعد يومين، بلغ الحراك الشعبي ذروته مع خروج مئات الآلاف في كل أنحاء البلاد. وطالبت التظاهرات برحيل الطبقة الحاكمة، التي لم يمسها تغيير جوهري منذ عقود والمتهمة بالفساد وبعدم الكفاءة. وبعد عامين على الثورة، تحدثت "جسور" مع أبرز الناشطين والثوار الذين واكبوا الاحتجاجات وشاركوا بها، منذ اللحظة الأولى.
 
إنجازات الثورة
 
الناشط "روي كيروز" أكد أنّ الثورة زرعت روح الحرية لدى المواطن اللبناني فخرجت الأكثرية الصامتة عن عاداتها وأصبحت تطالب بحقوقها، كما أسقطت الثورة حواجز الطائفية بتوحيدها اللبنانيين تحت مطلب واحد "رحيل الطبقة السياسية الفاسدة"، ونجح الثوار في إسقاط حكومتين وفي إلحاق هزيمة مدوية بأحزاب السلطة بانتخابات نقابة المهندسين والمحامين، فهذه أهم إنجازات الثورة يقول كيروز.
واليوم، تستعد مجموعة من الناشطين لإعادة إحياء "نبض الشارع" بالتزامن مع ذكرى اندلاع الثورة، لأن ما بدأ قبل سنتين لم يصل إلى خواتيمه بعد والطبقة السياسية تحاول تعويم نفسها مجددا، على حد تعبيرهم.
وللغاية، يشهد وسط العاصمة بيروت منذ مطلع الشهر الجاري وقفات احتجاجية يومياً من جانب مجموعة من الناشطين، استعداداً ليوم 17 أكتوبر/ تشرين الأول، يستحضرون خلالها الشعارات والهتافات ذاتها التي رفعوها قبل سنتين.
 
برنامج تحركات 17 تشرين
 
واتفقت مجموعات الثورة على برنامج الأحد لمناسبة مرور سنتين على ثورة ١٧ تشرين تحت شعار "استعادة الوطن وبناء الدولة". وفي هذا الإطار، قال كيروز لـ "جسور" إنّ التجمع يبدأ في النقاط المحددة الساعة الثانية من بعد الظهر وفي الثالثة تنطلق المسيرات باتجاه ساحة الشهداء حيث ستعقد حلقات حوارية، بعدها ينطلق الجميع نحو شعلة 17 تشرين قرب تمثال المغترب وتضاء في تمام السادسة مساء.
اما المسيرات ونقاط التجمع فهي:
1 – قصر العدل، رينغ، سوديكو، ساحة الشهداء.
2 – الكرنتينا (الفوروم)، المرفأ، ساحة الشهداء.
3 – ساحة ساسين، الحكمة، الرينغ، ساحة الشهداء.
 
حلم لم يدم طويلا
 
لكن البعض من المراقبين يعتبر أن الحلم اللبناني، الذي انطلق في السابع عشر من تشرين الأول/ أكتوبر 2019، لم يستمر طويلا لتتوالى على لبنان بعد ذلك، سلسلة كوارث وأزمات، جعلت اللبنانيين يصفون العام الذي أعقب الاحتجاجات بالأقسى منذ أيام الحرب الأهلية اللبنانية خلال سبعينيات القرن الماضي.
وبين السابع عشر من تشرين الأول/ أكتوبر ،2019 والسابع عشر من تشرين الأول/أكتوبر، 2021 ، أمور كثيرة تبدلت لكن نحو الأسوأ، فقد كان لبنان على موعد مع كوارث لم تأت فرادى، بعد أزمة تفشي وباء كورونا والانهيار الاقتصادي المتسارع، الذي فاقم معدلات الفقر، جاء انفجار مرفأ بيروت ، في الرابع من آب/اغسطس 2020، الذي حصد أكثر من مئتي قتيل، وأوقع آلاف الجرحى وألحق أضراراً جسيمة، بعدد من أحياء العاصمة .
 
قمع الأجهزة الأمنية
 
الثورة ترافقت ومخاض عسير مع القمع واستخدام القوة المفرطة في وجه المتظاهرين، تحت عنوان الحفاظ على الأملاك العامة والخاصة فسجلت في صفوفهم إصابات خطيرة، أسفرت عن إعاقات جسدية شبه دائمة، بالإضافة لوفاة عشرات الأشخاص.
ويشدد الثائر طوني خويري في حديثه لـ "جسور" على أنّ "القمع الذي استخدم كان وحشياً، مؤكداً تحقيق الانتفاضة إنجازات مهمة وأنتجت وعيا سياسيا عاما، وكشفت أوجه الفساد والغطاء الحزبي والديني لعض الزعماء".
واضاف خويري أنّ زخم التظاهرات بدأ بالتراجع لأسباب عدةّ كان أبرزها قمع السلطة والتحركات على الأرض من مؤيدي الأحزاب، لوضع شارع بوجه شارع آخر، فضلاً عن الظروف المناخية الصعبة وتفشي فيروس كورونا.
عامان، وثمَّة من يستمر في شيطنة أحرار لبنان، والتهويل عليهم، وتجويعهم، وتهجيرهم، واغتيالهم، لكنّهم مصمّمون على إبقاء شعلة نضالهم مرفوعة بسلمية تواجه إصرارا بالنّحر.