مفاجآت الحكومة اللبنانية الجديدة قبل نيلها الثقة.. النيترات وإيران وإسرائيل

ملفات خطيرة ومستجدّات مفاجئة تسابق جلسة مجلس النواب المرتقبة، في قصر الاونيسكو في بيروت، للتصويت على الثقة للحكومة اللبنانية الجديدة.

أفخاخ عدة ظهرت أمام الحكومة الجديدة في لبنان، لامتحان قدرتها على تجاوزها قبيل ساعات من جلسة منحها الثقة، أمام البرلمان. المفاجآت تدرّجت من ضبط 20 طناً من مادة نيترات الأمونيوم، بقاعاً، إذ أعادت إلى الواجهة قضية انفجار مرفأ بيروت ومحاولة عرقلة التحقيقات فيها. إلى نية اسرائيل جنوباً، البدء بحفر آبار استكشافية عن الطاقة في حقل برّي يقع في منطقة متنازع عليها مع لبنان. وصولاً إلى إعلان الخارجية الإيرانية بأن إرسال شحنة الوقود الى لبنان تمّ وفق طلب لبناني رسمي. ضبط كميات من مادة النيترات، التي كانت المادة المفجّرة لمرفأ بيروت، في سهل بلدة بدنايل (البقاع، شرقي لبنان) أخيراً، يمتحن إمكانية الحكومة الجديدة الدفع باتجاه معرفة ملابسات هذه الكميات، كما قدرتها على التخفيف من تداعيات اتهام المجتمع الدولي السلطة يفي لبنان بعرقلة التحقيقات في قضية انفجار مرفأ بيروت. هذه القضية لا تزال تتفاعل، لا سيّما بعد إصدار المحقق العدلي القاضي طارق البيطار، مذكرة إحضار بحق رئيس الحكومة السابق حسّان دياب ومذكرة توقيف غيابية بحق الوزير السابق يوسف فنيانوس، وسط محاولات المتهمين الإفلات من التحقيق.

الخرق الاسرائيلي

بعد تعثّر المفاوضات قبل نحو سنة بين لبنان وإسرائيل، حيال ترسيم الحدود البحرية، أثار إعلان شركة "هاليبرتون" الأميركية فوزها بعقد مع الجانب الإسرائيلي لحفر آبار استكشافية للتنقيب عن النفط في منطقة متنازع عليها، استنفاراً لبنانياً سياسياً رافضاً. وخرقت اسرائيل الجهود الديبلوماسية التي كانت قد توقفت في ٥ ابريل/ نيسان الماضي، جراء مساحة متنازع عليها تبلغ 2290 كيلومتراً، بحيث يصرّ الوفد اللبناني على أن ينطلق البحث في جلسات التفاوض من النقطة 29 الحدودية التي تكبر حجم النزاع إلى 2290 كيلومتراً، بدلاً من التفاوض على مساحة تبلغ 860 كيلومتراً، فيما تتمسك إسرائيل بأن يكون التفاوض انطلاقاً من الخط رقم 1... وهو ما يرفضه لبنان لإيقاف إسرائيل عن حفر آبار استكشافية عن الطاقة في حقل بحري يقع في منطقة متنازع عليها مع لبنان في البحر المتوسط، بعد تعثر المفاوضات التي انطلقت قبل 11 شهراً بغرض حل النزاع الحدودي بما يتيح للبنان التنقيب عن النفط والغاز في "البلوك رقم 9" في مياهه الجنوبية. وأعلنت شركة "هاليبرتون" Halliburton الأميركية المختصة بصناعة الطاقة في 14 سبتمبر / أيلول الحالي، عن فوزها بعقد خدمات متكاملة من شركة "إنرجين" لحفر آبار استكشافية يتراوح عددها بين ثلاث وخمس آبار للتنقيب عن الطاقة، وذلك بعد حملة حفر أربع آبار بحرية نفذتها سابقاً في حقلي غاز "كاريش" و"كاريش نورث". وقالت الشركة، في بيان، إنها ستتعاون مع شركة "إنرجين" لاستكشاف وتقييم وتطوير آبار بحرية في إسرائيل، من غير تحديد الموقع الجغرافي لتلك الآبار. وينص العقد على تقديم جميع الخدمات بما في ذلك إدارة المشروع، والحفر وتأمين مستلزماته بهدف الحصول على بيانات. اعتراض الجانب اللبناني، أثاره رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي، مؤكداً "إنه لا تهاون في حقوق لبنان البحرية ولا تنازل عنها"، مطالبا الأمم المتحدة في بيان، بالقيام بدورها في ردع إسرائيل، وإجبارها على وقف انتهاكاتها المتكررة للحقوق اللبنانية. وطلب ميقاتي من وزير خارجيته، عبد الله بوحبيب، إجراء الاتصالات اللازمة مع الجهات الدولية المعنية لمنع إسرائيل من مباشرة أعمال التنقيب عن النفط والغاز في المنطقة البحرية المتنازع عليها. وقد بحث وزير الخارجية اللبناني مع مسؤولي السفارة الأميركية في بيروت العقد المبرم بين إسرائيل والشركة الأميركية المتخصصة في التنقيب عن النفط، وقالت الخارجية اللبنانية في بيان إن الوزير تواصل مع مندوبة لبنان الدائمة لدى الأمم المتحدة، أمل مدللي، والسفارة الأميركية في بيروت ودول أخرى تدعم المحادثات البحرية للتأكد من أن عقد هاليبرتون "لا يقع في منطقة متنازع عليها بين لبنان وإسرائيل، بغية تجنب أي اعتداء على حقوق لبنان، ولمنع أي أعمال تنقيب مستقبلية في المناطق المتنازع عليها". من جانبه، دعا رئيس مجلس النواب نبيه بري وزارة الخارجية اللبنانية إلى "تحرك عاجل وفوري باتجاه مجلس الأمن والمجتمع الدولي للتحقق من احتمالية حصول اعتداء إسرائيلي جديد على السيادة والحقوق اللبنانية". وأكد بري أن قيام إسرائيل بإجراء تلزيمات وإبرام لعقود تنقيب في البحر لشركة "هاليبرتون" أو سواها من الشركات في المنطقة المتنازع عليها في البحر "يمثل نقضاً لا بل نسفاً لاتفاق الإطار الذي رعته الولايات المتحدة الأميركية والأمم المتحدة"، في إشارة إلى اتفاق الإطار الذي أعلن عنه في مطلع أكتوبر/ تشرين الأول الماضي للشروع بمفاوضات غير مباشرة تحت علم الأمم المتحدة وفي مقرها في الناقورة في جنوب لبنان، وبوساطة وتسهيل أميركيّين. واعتبر بري أن "تلكؤ ومماطلة" تحالف شركات "توتال" الفرنسية و"نوفاتك" الروسية و"إيني" الإيطالية، "في المباشرة بعمليات التنقيب والتي كان من المفترض البدء بها قبل عدة شهور في البلوك رقم 9 من الجانب اللبناني للحدود البحرية يطرح تساؤلات كبرى"، مؤكداً أن "تمادي إسرائيل في عدوانيتها هذه يمثل تهديداً للأمن والسلام الدوليين". تعليقاً على إعلان شركة "هاليبرتون" فوزها بعقد حفر آبار نفط في المنطقة المتنازع عليها مع إسرائيل، اعتبر رئيس الحزب "التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط من جانبه، أمس، أنها "المنطقة نفسها التي كدنا نستعيد قسماً منها لولا المزايدات. هذا يعني دفن آخر شبر سيادة في لبنان على ثرواته ومقدراته". يشار إلى أن مساحة المياه الإقليمية اللبنانية قد قسمت سابقا إلى 10 مناطق، وتزعم إسرائيل أن أجزاء من المناطق 8 و9 و10 تقع داخل حدود مياهها الإقليمية، وتبلغ المساحة الإجمالية للمنطقة المتنازع عليها 860 كيلومتر مربع، بحسب الخرائط المودعة من جانب لبنان وإسرائيل في الأمم المتحدة.

تصريح الخارجية الايرانية.. مطب آخر

من بين سلسلة المطبات التي تواجهها حكومة ميقاتي، جاء إعلان الخارجية الايرانية بأن "شحنة الوقود المرسلة الى لبنان كانت حسب الطلب اللبناني". وكان رئيس الوزراء نجيب ميقاتي قد أعرب عن "حزنه نتيجة خرق السيادة اللبنانية ‏" مشيرا الى انه "ليس لدي خوف من عقوبات عليه؛ لأن العملية تمت في معزل عن الحكومة اللبنانية". فيما أشار المتحدث باسم الخارجية الايرانية، سعيد خطيب زاده، إلى أنّ ارسال الوقود الايراني الى لبنان جاء بطلب من التجار اللبنانيين ووفق عملية شراء عادية وطبيعية تماما، مؤكدا انه لو ارادت الحكومة اللبنانية ایضا شراء الوقود من ايران فانها ستضعه تحت تصرفها على الفور. وردا على تصريحات رئيس الوزراء نجيب ميقاتي الذي اعتبر أنّ ارسال الوقود الايراني انتهاك لسيادة لبنان أكد أن "الجمهورية الاسلامية الايرانية ملتزمة دوما بدعم اصدقائها والحكومات الصديقة لها". وعادت وأوضحت مصادر رئيس الحكومة نجيب ميقاتي أن "الحكومة اللبنانية لم تطلب أي شحنة وقود من ايران".

النيترات وتحقيقات انفجار مرفأ بيروت

بعد الانفجار الضخم في مرفأ بيروت في 4 اغسطس/ آب 2020، الذي أودى بحياة أكثر من 200 ضحية و6 آلاف جريح، حصل نتيجة انفجار قرابة 2750 طن من مادة نيترات الأمونيوم، كانت مخزنة في المرفأ. المادة التي باتت كابوساً للبنانيين، ظهرت من جديد، إذ ضبطت مفرزة بعلبك القضائية شاحنة مُحمّلة بـ20 طنًّا من نيترات الأمونيوم ونسبة الأزوت فيها تبلغ 34.7%. ووفقاً لبيانات القوى الأمنية فإن المواد ضبطت وتمّ نقلها إلى مكانٍ آمن تفادياً لأيّ خطر. وأعلن وزير الداخلية القاضي بسام المولوي بعد تفقده "المضبوطات"، أنّ القوى الأمنية باشرت تحقيقاتها وهي تلاحق المتورطين لتوقيفهم، مؤكدا انه "علينا ان نعمل جهدنا لنقل هذه المواد الى مكان اكثر امانا بعيدا عن تعرضها للحرارة والشمس او اي "شيء قد يتسبب بكارثة.

التحقيق في انفجار مرفأ بيروت

تداعيات قضية انفجار مرفأ بيروت لا تزال تتفاعل في لبنان وخارجه، مع مطالبة جهات دولية بالبحث في عقوبات ضد معرقلي العدالة. وداخلياً، يترقّب اللبنانيون ما ستؤول إليه التحقيقات، مع إصدار المحقق العدلي القاضي طارق البيطار، مذكرة إحضار بحق رئيس الحكومة السابق حسّان دياب. تُضاف إليها، مذكرة توقيف غيابية بحق الوزير السابق يوسف فنيانوس، بعد تغيّبه عن حضور جلسة الاستجواب، وسلسلة قرارات بالتحقيق مع وزراء سابقين ونواب حاليين وقادة أمنيين وعسكريين، مع المطالبة برفع الحصانة عن بعضهم للتحقيق معهم. آخر هذه التداعيات كان رسالة البرلمان الأوروبي، إلى قادة لبنان، التي طلب فيها من الدول الأعضاء في الاتحاد أن تفرض عقوبات محددة الهدف، ضد السياسيين اللبنانيين المسؤولين عن الانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان والمساعي الرامية إلى عرقلة العدالة.

ثقة... لا ثقة

تتجه الأنظار الاثنين، الى قصر الاونيسكو في العاصمة بيروت، حيث يعقد مجلس النواب جلساته إثر جائحة كورنونا، لمتابعة جلسة التصويت على الثقة للحكومة الجديدة. وأمام هذه التحديات والازمات كلها، التي تضاف إلى الأزمة الاقتصادية والمالية والمعيشية، والخروقات الاسرائيلية والتهريب المستباح على الحدود مع سوريا، هل تكون حكومة ميقاتي في حال نيلها الثقة قادرة على وقف الانهيار؟
الكلمات الدالة