هل تنقذ المحيطات كوكب الأرض؟

البشر يقومون بإخراج الكربون من الأرض عن طريق حرق الوقود الأحفوري المترسب منذ ملايين السنين، وصعوده إلى الغلاف الجوي كثاني أكسيد الكربون.
 
في المقابل فإن المعدل الحالي لتكوين الوقود الأحفوري الجديد منخفض للغاية. وتتمثل الآلية الجيولوجية البديلة، طويلة المدى، لتخزين الكربون اليوم في تكوين الأصداف البحرية التي يتم الحفاظ عليها كترسبات في قاع المحيط.
صحيح أننا نفكر في الأشجار والتربة على أنها مصارف الكربون الطبيعية، لكن المحيطات بها مخزون أكبر بكثير من الكربون وأكثر فاعلية في تخزين الكربون بشكل دائم.
في بحث جديد نُشر في دورية "باليوأوشنوغرافي آند باليوكلايمتولوجي" (Paleoceanography and Paleoclimatology) في 26 يناير/كانون الثاني الماضي، قام الباحثون بالتحقيق في المعدل طويل المدى لإزالة الكربون بشكل دائم عن طريق تكون "الأصداف" من العوالق في المحيط بالقرب من نيوزيلندا. ويظهر البحث أن الصدف البحري قد سحب كمية الكربون التي تعادل تقريبا الانبعاثات الإقليمية لثاني أكسيد الكربون، كما توصل البحث أيضا إلى أن عملية سحب الكربون من خلال تكون الصدف كانت أعلى أثناء ارتفاع درجة حرارة المناخ، وذلك خلال الفترات الماضية من تاريخ الأرض.
 
قارة زيلانديا المغمورة في المحيط
 
يعد هذا المشروع جزءا من البرنامج الدولي لاكتشاف المحيطات (International Ocean Discovery Program/ IODP)، حيث قامت البعثة 371 بالتنقيب في قاع البحر بقارة "زيلانديا" (Zealandia) للتحقيق في كيفية تشكل القارة ولتحليل التغيرات البيئية القديمة المسجلة في رواسبها.
وتوصل الباحثون إلى أن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناجمة عن حرق الوقود الأحفوري تضيف حوالي 45 مليون طن سنويا إلى القارة المغمورة في المحيط الهادي، وهو ما يمثل 0.12% من الإجمالي العالمي.
وقارة زيلانديا أو زيلانديا الجديدة هي أكبر قارة حاليا مغمورة في المحيط الهادي بعد انفصالها عن أستراليا قبل 60 مليون سنة، وانفصالها عن القارة القطبية الجنوبية قبل 130 مليون سنة. وتبلغ مساحتها ضعف مساحة الهند، ويقع معظمها على عمق يزيد على ألف متر في جنوب غرب المحيط الهادي. وتشمل جزر نيوزيلندا وكاليدونيا الجديدة.
 
كيف يسحب الكربون إلى قاع المحيط؟
 
في جميع المحيطات، يتم عادة تناول الكربون العضوي الموجود على شكل نباتات وطحالب وحيوانات ميتة، من قبل الكائنات الأخرى وخاصة البكتيريا. ومعظم هذه الكائنات صغيرة جدا، حجمها أقل من 1 مليمتر، وتظل غير مرئية، ولكن عندما تموت وتغرق، فإنها تنقل الكربون إلى أعماق المحيط. ويمكن أن تتراكم أصدافها في قاع البحر لتكوين رواسب ضخمة من الطباشير والحجر الجيري. بالنسبة لرواسب الأسماك التي تم حفرها في هذه الدراسة فقد بلغت مئات الأمتار، إذ تشكلت هذه الرواسب خلال الفترات التي كان المناخ فيها أكثر دفئا، وهذا يشبه إلى حد ما العقود والقرون المقبلة التي يتوقع العلماء أن ترتفع فيها درجة حرارة المناخ. وعلى مدى المليون سنة الماضية، بلغ متوسط معدل تراكم الصدف، الذي يتكون من كربونات الكالسيوم، ويقوم بحبس كميات كبيرة من الكربون، حوالي 20 طنا لكل كيلومتر مربع في السنة. وتبلغ المساحة الإجمالية لقارة زيلانديا حوالي 6 ملايين كيلومتر مربع، لذلك كان متوسط معدل تخزين كربونات الكالسيوم حوالي 120 مليون طن سنويا، وهو ما يعادل 53 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون سنويا. وهذا هو تقريبا نفس الانبعاثات من حرق الوقود الأحفوري في القارة اليوم.
 
المناخ الأكثر دفئا
 
منذ حوالي 4-8 ملايين سنة، كان المناخ أكثر دفئا، وكانت مستويات ثاني أكسيد الكربون مماثلة أو حتى أعلى مما هي عليه اليوم، وكان المحيط أكثر حمضية. ومع ذلك، وجد العلماء أن متوسط معدل تراكم الأصداف البحرية في زيلانديا كان أكثر من ضعف معدل التراكم في آخر مليون سنة. المناخات الأكثر دفئا خلال هذه الفترة كانت تحتوي على محيطات أنتجت المزيد من الأصداف البحرية، لكن هذه البيانات تعكس متوسط معدلات التراكم على نطاقات زمنية تبلغ مليون سنة. وبالتالي فإن الآلية التي تنتج بها هذه المحيطات مزيدا من الأصداف أثناء ارتفاع درجة حرارة المناخ لا تزال موضوعا مستمرا للبحث.
ووفقا للتقرير المنشور في موقع "ذا كونفرسيشن" (The Conversation)، فإن هذا المشروع يسلط الضوء على الدور المهم الذي يلعبه المحيط، ولا سيما الحياة المجهرية داخله، في استعادة التوازن لكوكبنا في نهاية المطاف.
ويرجع ذلك إلى أن المعدل الذي تسحب به العوالق الميتة الكربون إلى أعماق المحيطات وتخزنه الأصداف الصغيرة بشكل دائم في قاع البحر يمثل نسبة كبيرة من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون البشرية.
ويكشف هذا العمل أيضا أن المحيط الذي سترتفع درجة حرارته لا محالة، قد ينتج المزيد من أصداف كربونات الكالسيوم مقارنة بالمحيطات في الوقت الحالي، على الرغم من أن تحمض المحيط سيحدث بشكل شبه مؤكد كذلك.
ووفقا للباحثين فإن مدى السرعة التي قد يتغير بها عزل الكربون الطبيعي في المحيط لا يزال غير مؤكد إلى حد كبير. ولكي نعرف ذلك نحن بحاجة إلى عدة قرون أخرى قبل أن نصل إلى حالة محيطية مماثلة لتلك التي كانت موجودة قبل 4-8 ملايين سنة.