هل يتجه بوتين لمحرقة نووية؟

كتب صهيب جوهر في جسور:
 
تقترب الحرب الروسية - الأوكرانية من 225 يوماً، وتستمر انعكاساتها الدولية والإقليمية باتجاهات مختلفة، بالتزامن تخوض كييف محاولات كثيفة لتحويل مسار الصراع باتجاهها لتحقق نقاط تقدم على الجانب الروسي، وذلك عبر الهجوم المباغت الذي أطلقته في مواجهة القوات الروسية في مناطق متفرقة في البلاد.
 
إذا كان هناك من نتائج واضحة يُمكن استخلاصها من المكاسب السريعة والانهيارات المفاجئة للدفاعات الروسية في منطقة خاركيف في الأيام الأخيرة، يمكن إدراك ذلك عبر تزويد الدول الأوروبية والولايات المتحدة للقوات الأوكرانية بالمزيد من العتاد والسلاح المتطور، وأثر ذلك على سير المعركة باستعادة ما خسره الاوكرانيون من أراض منذ بداية الحرب. مع ذلك، الأساس ليس فقط في تحرير مدن ودفع موسكو للانسحاب منها، بل في القدرة على الاحتفاظ بها لوقت أطول ومواصلة التقدم إلى النقطة التي تجعل بوتين يشعر بأن حربه لم تصل لنتائج تخدمه في معركته المفتوحة مع الغرب.
ويبدو أيضاً أن إدارة زيلينسكي تريد أن تقول للعالم أنها قادرة على استعادة زمام اللعبة، ليس فقط عندما تكون روسيا تخوض قتالا واسعا على جبهات عديدة كما حصل في بداية الحرب، بل أيضا عندما تحصر موسكو قدراتها القتالية الكبيرة في مناطق محدودة كما الحال الآن.
بالتوازي جاء قرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بإعلان التعبئة العسكرية الجزئية في روسيا كتطور خطير في الحرب الأوكرانية، وستكون له تداعيات عسكرية كبيرة في ساحة المعركة، كما قد تكون له تداعيات داخلية روسية كبيرة بل وعالمية، وبالفعل أدى القرار إلى صدمة في الأوساط الاقتصادية العالمية، ولكن الأخطر في قرار بوتين إعلان التعبئة العسكرية الجزئية في روسيا، لأنه إذا فشل فقد ينتقل بوتين إلى استخدام آخر سلاح في جعبته وهو الحرب النووية.
والمثير أن خطاب بوتين الذي أعلن فيه قرار التعبئة العسكرية الجزئية في روسيا، يتزامن مع إعلان موسكو خططاً لإجراء استفتاءات لضم أربع مناطق أوكرانية لروسيا، ومن شأن إعلان بوتين الذي صدر الأربعاء أن يساعد روسيا في إعلان الحرب رسمياً على أوكرانيا، بعد أن كانت تصف الحرب بأنها عملية عسكرية خاصة، الأمر الذي كان يشكل قيداً على تعبئة مواردها الداخلية للمجهود الحربي، ويعني ذلك وضع روسيا بمواردها الهائلة في حالة حرب حقيقية، حيث يعد قرار بوتين أول إعلان تعبئة روسية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
فيما نجحت الولايات المتحدة ومعها دول أوروبية في تغيير مسار الحرب التي كان يتوقع بوتين أن تكون خاطفة وسريعة وناجزة إلى صراع استنزاف عسكري واقتصادي طويل الأمد لموسكو وصورتها الداخلية والخارجية، لكن نقطة الضعف الابرز في خطة الدول الكبرى تكمن في رهانها على أن روسيا ستجد نفسها تراكم أيام الحرب غير قادرة على استيعاب التبعات الميدانية والمالية والاجتماعية لفترات أطول من المعتاد.
وعلى الرغم من الخسائر والهزائم المتتالية الروسية في الميدان الأوكراني الملتهب فإن نظام بوتين لن يتخلى على الأرجح عن اعتقاده أن بمقدوره تحقيق الحد الأقصى من المكاسب قبل التفاوض على ربط نزاع أو عملية سلام برعاية أممية، انطلاقاً من أن موسكو تحتفظ حتى اللحظة بما يقارب على 22% من المساحة الجغرافية لأوكرانيا، واستطاعت تدمير ثلث الإمكانيات والصناعات والتأثير على دور كييف في ثرواتها الزراعية كذلك عدم استفادة أوكرانيا من شواطئها  في البحر الأسود بسبب الحصار البحري المفروض عليها.
ولذلك فإن قرار بوتين القاضي بالتعبئة الجزئية يتزامن مع حديث أوكراني عن خسائر كبيرة في المعدات والأفراد، تكبدتها موسكو، والتي تشير الى أن روسيا فقدت نحو 80 ألف جندي، وهي تقارير ينظر لها على أنها مبالغ فيها حتى من قِبل حلفاء كييف الغربيين، فيما ينظر كذلك بشكوك إلى تقديرات روسيا بشأن خسائرها، والتي تذكر في أوقات متباعدة، وتكون أقل كثيراً من التقديرات الغربية، وكان آخرها قول وزير الدفاع الروسي أن 5937 جندياً روسيّاً قتلوا في أوكرانيا حتى الآن.
ولكن الأكيد أن الحرب مع أوكرانيا المدعومة بفعالية من الغرب ليست نزهة كما كان يتوقع بوتين، فأوكرانيا بلد ليس صغيراً، حيث يبلغ عدد سكانها نحو 48 مليون نسمة أي نحو ثلث سكان روسيا، وأدى الدعم الغربي بالأسلحة والمعلومات والتدريب والتوجيه المباشر، إلى تحييد التفوق العسكري التقني الروسي إلى حد كبير، حيث ساعدت منظومات الدفاع الجوي الأوكرانية السوفياتية الصنع من طراز إس 300، وأنظمة الصواريخ المضادة على الأكتاف التي وردها الغرب بالآلاف لكييف، إلى إجبار أسطول الطائرات الروسية الضخم على العمل من مسافات بعيدة فوق ساحات المعارك، الأمر الذي أدى لإضعاف دوره في دعم القوات البرية الروسية كما ظهر في معركة خاركيف.
ميدانياً ساعدت آلاف الصواريخ المضادة للدبابات المحمولة على الأكتاف التي قدمها الغرب لأوكرانيا في تدمير أعداد كبيرة من الأسطول الروسي من الدبابات، الذي يعد الأكبر في العالم، والذي أضيف تأثيرها لنقاط الضعف التقليدية في الدبابات الروسية، وخصوصا أن موسكو ليس لديها سوى عدد قليل من دبابات تي 90 الأحدث في ترسانتها، فيما لم تدخل الدبابة "أرماتا" المتطورة إلى الخدمة بعد.
الخلاصة تقول أن تصعيد روسيا المحتمل للصراع من شأنه أن يضغط بشكل أكبر على الدول الغربية التي لا تزال تسعى لتجنب الدخول المباشر بالصراع والحرب وستكون الإستراتيجية لواشنطن وحلفائها أكثر فعالية وقابلية للنجاح طالما أنها قادرة على تجنب التصادم المباشر وحرمان بوتين من تحقيق المزيد من المكاسب، أو حرمانه من بعض المكاسب التي حققها.
ولا يمكن استبعاد أيضاً أن يلجأ بوتين للسلاح النووي للقضاء على مقاومة أوكرانيا، خصوصا أن الغرب بالفعل يحاصر روسيا اقتصادياً، ولم يعد لديه الكثير ليخسره، علماً أن تقليل الأميركيين تحديداً لاحتمال لجوء موسكو للسلاح النووي يبدو غريباً لأنهم سبق أن استخدموه ضد اليابان البلد غير المسلح نووياً، والذي كان على وشك الهزيمة في نهاية الحرب العالمية الثانية، ولكنهم فعلوا ذلك فقط لتقليل خسائرهم وتوجيه رسالة للاتحاد السوفياتي الذي كان قد صعد لتوه كقوى عظمى في نهاية الحرب العالمية بعد هزيمته لألمانيا النازية، ومن هنا فإن حلف الناتو يجب أن يستغل نجاحات كييف الأخيرة لطرح مبادرات دبلوماسية إضافية، لتحقيق تسوية تحافظ على استقلال أوكرانيا وسيادتها، وتحفظ وجه روسيا الدولة التي لديها أسلحة تكفي لتدمير العالم كله.
الكلمات الدالة