هل يكون "الترسيم" اتفاق الهُدنة الدّائم بين الحزب وإسرائيل؟

كتب إبراهيم ريحان في جسور:
 
وقَع تقاطع المصالح بين الخصوم: لبنان، أميركا، وإسرائيل. وقد تكون المنطقة على أبواب هدنة مُوقّعة طويلة الأمد بين حزب الله وإسرائيل، عنوانها "ترسيم الحدود".
لم يعُد لبنان قادراً على تحمّل الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة التي تعصف به. لا سقف لسعر الدّولار الأميركيّ، لا كهرباء، لا مياه، لا خدمات، لا استشفاء، وقطاع اتصالات على شفير الانهيار الكامل.
قبل سنةٍ من اليوم، لم يكن يتوقّع أحد أن يكون لبنان وإسرائيل قابَ قوسيْن أو أدنى من توقيع اتفاق ترسيم الحدود البحريّة بينهما. جاءَت الحرب الرّوسيّة – الأوكرانيّة في شباط 2022، ولوّح سيّد الكرملين فلاديمير بوتين بسيف الغاز الطبيعيّ بوجه أوروبا والقوى الغربيّة. هُنا انقلبَت الأمور رأساً على عقب.
لم تعُد أميركا ذلك الوسيط الذي يعمل على مهلٍ في نسج اتفاقٍ لترسيم الحدود البحريّة بين لبنان وإسرائيل، بل باتت تبحثُ عن أيّ مصدرٍ للغاز الطّبيعيّ يُزوّد حلفاءها الأوروبيين ويُجرّد بوتين من سيف الغاز الطّبيعيّ. وجدَت أميركا ضالّتها في الغاز الكامن في حوض المُتوسّط بين لبنان وقبرص وتركيا واليونان وإسرائيل وفلسطين ومصر. كثيرةٌ هي التعقيدات بين دُول الحوض الشّرقيّ للمتوسّط، وأبرزها بين لبنان وإسرائيل.
ركضت تل أبيب نحو أوروبا لتزوّدها بالغاز، لكنّها تواجه صدفة جغرافيّة لا تستطيع تجاوزها ألا وهي مُجاورة حقل كاريش لجنوب لبنان حيث حزب الله وصواريخه ومسيّراته. حسمَ الأميركيّون أمرهم: "لا مفرّ من التفاهم مع الحزب لضمان استخراج الغاز الطبيعيّ إلى أوروبا".
بالطّبع، فإنّ أميركا ليسَت "مُغرَمة" بحزب الله، والأخير يُشاطرها الشّعور نفسه وربّما أكثر عدائيّة. لكنّ الولايات المُتحدة، لمن لا يعرف هي دولة قائمة على المصالح. جمَع الحظّ والصّدفة وبوتين واشنطن وتل أبيب وحزب الله، ولكلّ مصالحه.

حزب الله: الغاز المُسعِف


يقبض حزب الله بقوّة سلاحه على مفاصل السّلطة في لبنان، لكنّ الحزبَ أغفَل أهمّ تفصيل، أنّ فائض القوّة لا يبني وحده الاقتصاد، وأنّ الصّاروخَ مهما طال مداه لا يستطيع أن يُخفّض سعر صرف الدّولار، والأهمّ أنّه لا يُمكن أن يقومَ مقامَ الدّولة مهما طال الزّمن. أطلقَ الحزبُ 3 مسيّرات "تفاوضيّة" في سماء كاريش. هو يُدرك أنّ إدارة الرّئيس جو بايدن لا تريد حرباً في المنطقة تُضاف إلى قائمة حروب بوتين على حدود أوروبا. والأهم أنّها لا تريد حرباً تحت عنوان "الغاز والطّاقة"، فكيف الحال إذا اجتمعَ العنوانان معاً؟
يريدُ حزب الله أن يقطِف ثمار ترسيم الحدود ليُضفي ما يسمّيه "شرعيّة" على سلاحه بعد أن صال وجالَ به في المنطقة وحولها . وجدَت قيادة الحزب ضالّتها في غاز المتوسّط. في حالَ نجح لبنان في استخراج الغاز، فسيخرج علينا الأمين العام لحزب الله ليُعلِنَ أنّ السّلاحَ جاءَ بالدّولار والغاز والثّروات، أمّا الحقيقة فهي أنّ تقاطع المصالح بين واشنطن والحزب وتل أبيب هو الذي جاءَ بذلك.
يعلم الحزب أنّه في حال بدأ لبنان باستخراج الغاز فعلاً، فإنّه باتَ يُمسكُ بورقة استراتيجيّة عنوانها "مصادر الطّاقة" للغرب. فلبنان ممسوكٌ بقبضته اليُمنى، فيما حقول إسرائيل تحت مرمى صواريخه التي تقبض على زنادها يده اليُسرى.

إسرائيل: تطبيعٌ غير مُعلن مع لبنان؟


في تل أبيب، يسعى المسؤولون الإسرائيليّون لأن تصبح إسرائيل مورّداً للغاز الطبيعي إلى أوروبا، لما لذلك من ورقةٍ سيّاسيّة استراتيجيّة تستعملها مستقبلاً في الضّغط السّياسيّ.
كذلك لا يُمكن إغفال الثّروة الطائلة التي ستجنيها تل أبيب من تصدير الغاز الطّبيعيّ وربّما تسييله في وقتٍ لاحق.
لكنّ الإسرائيليين لا يبحثون عن ذلك فقط. بل وجدوا فرصةً ثمينة لا يُمكن تعويضها، وهي ضمان الاستقرار على الحدود الشّماليّة حيثُ لبنان المُنهك اقتصاديّاً، ومعه حزب الله. لا يخفى على أحدٍ أنّ أيّ مصدرٍ للغاز الطّبيعي يتحوّل غالباً إلى بؤرة استقرارٍ، فكيف بالولاية الأميركيّة الـ51، إسرائيل.
يستغلّ الإسرائيليّون الوضع الاقتصاديّ الضّاغط في لبنان، وحاجته إلى استخراج النّفط والغاز وتصديره للخارج، وهذه عمليّة تحتاج بدايتها فقط من 3 إلى 5 سنوات. يُشكّل اتفاقَ ترسيم الحدود هُدنة غير مُعلنة بين الحزب وتل أبيب، يُضاف إليها اعتراف لبنان الرّسميّ بحدود الكيان الإسرائيليّ، وبالتّالي وجوده. ولا يبتعد هذا الاعتراف عن حزب الله الذي قرّر أن يُلوّح بسلاحه ويُطلق مسيّراته ليُسرّع هذا التّوقيع، وكلٌّ على توقيته ومصالحه.
فنصرالله أعلنها صراحةً في أربعينيّة الإمام الحُسين: "نريد أن نأكل العِنَب ولا نبحث عن مشاكل". دعكم من سيل التهديدات وقفوا جيّداً عندَ عبارة "المراسلات المُتبادلة غير المُباشرة بين الحزب وتل أبيب"... والباقي تفاصيل...
الكلمات الدالة