بعد حكم القذافي ... أين ليبيا من النزاعات المعقدة؟

بعد 10 سنوات على الثورة الليبية التي اطاحت بحكم الرئيس الاسبق معمر القذافي، لا تزال البلاد تعيش أسوأ انهيار اقتصادي في ظل تجاذبات سياسية داخلية وخارجية عنيفة.

 
وبعد تشريع العنف والفوضى في جميع انحاء البلاد طيلة سنوات تنفس الليبيون الصعداء مع توصل القوى السياسية الى تشكيل حكومة على ان تجرى الانتخابات في نهاية العام الجاري.
يبدو ان الصفحات السوداء للحروب في ليبيا بين ابناء البلد والارهاب طويت، حاليًا، اذ تحقق تقدم ملموس على صعيد الحوار الليبي - الليبي واثمر اختيار حكومة ومجلس رئاسي جديد واعادة تنشيط القطاع النفطي الحيوي للاقتصاد الليبي.

ما الذي ينتظر ليبيا في2021؟

وأثمرت المحادثات بين الليبيين اتفاقا حول تنظيم انتخابات في ديسمبر/كانون الاول المقبل.
ويفترض أن تقود الهيئة التنفيذية الجديدة المرحلة الانتقالية المقبلة وابرز أركانها رئيس الحكومة المكلف عبد الحميد محمد دبيبة، ومحمد يونس المنفي رئيسًا للمجلس الرئاسي. استطاع رئيس الوزراء الجديد التخفيف من حدة النزاعات والعنف في بلاده وترك آثار ايجابية في المشهد الليبي. اذ تمكن الليبيون من السفر من جديد داخل بلادهم بعد ان توقفوا عن ذلك اثر مخاوف من السلب والاختطاف والقتل.
كما تمكن ديبية المضي بمشاريع انمائية مستدامة كمحطات توليد الكهرباء ومطار طرابلس الدولي الذي دمر في معارك عام 2014، كما استفاد من عودة إنتاج النفط إلى 1.3 مليون برميل يوميًا وارتفاع أسعار الطاقة. كذلك رفع اجور ورواتب المعلمين وقدم مكافأة قدرها 6 آلاف يورو لتشجيع الزواج، مما جعله يتمتع بشعبية كبيرة وتأييد واسع من الشعب، على الرغم من ان برلمان طبرق في شرق البلاد، سحب "الثقة" منه واتهمه بتجاوز صلاحياته.

تشكيك انتخابي

وفي الوقت الذي يبدو فيه المجتمع الدولي متمسكًا بالانتخابات التمس بعض المحللين الليبين تخاذلا من قبل المسؤولين خشية خسارتهم لمقاعدهم في السلطة.
فبعد ان اغلقت الازمات والصراعات آفاق الحوار وتفاقمت التدخلات الخارجية في البلاد، اتت الحكومة الجديدة بهدف اجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في 24 ديسمبر/كانون الأول المقبل، الا ان صياغة القوانين الانتخابية وبعض المشاكل اللوجستية، أدت إلى تقويض هذا الموعد، وتأجيلها، مع الابقاء على الانتخابات الرئاسية في موعدها.
كذلك، احداث الجنوب زادت من عدم اليقين بالسير في هذه الانتخابات حيث لا تزال أقليات التبو والطوارق تهددان بالمقاطعة، خاصة أن عددا من أفرادهما لا يتمتعون بالجنسية الليبية للتصويت، ويثيرون اضطرابات على الحدود السودانية وفي تشاد فيعتبرهم البعض انهم غير مبالين بالاحداث السياسية في ليبيا.
ويرى الخبير في منظمة "المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية" عماد الدين بادي، أن الوضع استقر ظاهريًا، "لكن الزخم الدبلوماسي نتيجة تحفظ مؤقت عن القتال وليس نتاج رغبة صادقة للتوصل إلى حلّ".
ويضيف "بعد عشر سنوات على الثورة، ليبيا دولة مشوهة أكثر مما كانت في عهد القذافي". كذلك، تعتبر "مجموعة الأزمات الدولية" ان ما تحقق مجرد"مكاسب هشّة"، اذ ان تراجع عدد القتلى الليبيين ليس مؤشرًا على تقدم في المستوى السياسي اذ لا تزال هناك خطوات من الضروري اتخاذها.

صراع نفوذ

مع انطلاق الثورة الليبية في العام 2011 في سياق ثورات "الربيع العربي"، التي ادت الى الاطاحة بحكم القذافي تهاوت الاجهزة الامنية. وشهدت العاصمة الليبية هيمنة عشرات المجموعات المسلحة المحلية.
وساهمت المجموعات الجهادية في تفعيل دوامة الفوضى في ليبيا، ووصلت الى ذروتها حينما سيطر تنظيم "الدولة الإسلامية" على المدينة الساحلة سرت، التي تحولت الى نقطة انطلاق للتنظيم لشن معارك وهجمات ارهابية.
وانقسم المشهد الليبي الى معسكرين: المعسكر الاول حكومة "الوفاق الوطني" التي تشكلت إثر حوار برعاية الأمم المتحدة في العام 2016 وتدعمها تركيا وتتخذ من طرابلس مقرًا، وسلطة في شرق البلاد يمثلها قائد "الجيش الوطني الليبي" المشير خليفة حفتر، وتدعمها الإمارات ومصر وروسيا.
اما القطاع النفطي، فكان له حصة الاسد من الصراع. ليبيا المعروفة ببلد "الذهب الاسود"، استعملت القوى السياسية النفط كورقة مقايضة سياسية لتحقيق مصالحهم الشخصية.

معاناة الليبيين

لا يزال الاستياء يخيم على الليبيين. بالاضافة الى الوضع السياسي المأزوم لا تزال السلطة الحاكمة غير آبهة بمعاناة شعب يشكو من نقص في السيولة النقدية وضعف الإمداد بالوقود والكهرباء والتضخم المالي.
كما تحولت ليبيا إلى مركز لتجارة البشر في القارة. وبات آلاف المهاجرين تحت رحمة المهربين المحليين، ويعانون من مأساة إنسانية رهيبة، ويتعرضون إلى انتهاكات جسيمة بينما يموت عدد كبير منهم أثناء محاولتهم العبور نحو الضفة الشمالية للمتوسط، رغم كل جهود المنظمات غير الحكومية للحد من هذه الانتهاكات لا انسانية.
ويشكك بعض الليبيون في امكانية اجراء الانتخابات في موعدها. بالنسبة لهم لا تزال بلادهم تواجه تحديات كبيرة بعد 42 عامًا من حكمٍ دكتاتوري، ونزاعات عنيفة اضافة الى التدخل العسكري الدولي ووفاة القذافي.
فبعد سنوات من الحروب المعقدة وحرمان الليبين من ثروات بلادهم الهائلة، وبعد ان ساد الفساد وهجر عشرات الاف ودمرت البنى التحتية وتحكم المرتزقة والميليشيات في مفاصل البلاد يأمل الشعب الليبي ان تطوى صفحات النزاعات الاهلية وان تدخل بلادهم مرحلة استقرار مستدامة.
الكلمات الدالة